المعايير الأكاديمية ليست بالتفصيل!

مجلة جامعة الملك سعود فرع علوم الحاسب والمعلومات

كجزء من عملي كعضو في هيئة تحرير مجلة جامعة الملك سعود فرع علوم الحاسب والمعلومات، يتطلب مني القيام بمراجعة دورية للأوراق العلمية المرسلة إلى المجلة للتأكد من رصانتها العلمية قبل إرسالها للمحكمين. وفي كثير من الأحيان أقوم برفض الورقة أو ما يسمى (Desk Reject) حتى قبل إرسالها للمحكمين، كجزء من ضبط جودة ما ينشر في مجلة الكلية.

وفي موقف حصل لي مؤخرا -مما دفعني لكتابة هذه التدوينة- قمت بإرسال طلب تحكيم لأحد الأوراق البحثية التي وصلت حديثا للمجلة لأحد الزميلات اللاتي يعملن في المجال البحثي للورقة، وقد قامت مشكورة بقبول الدعوة لتحكيم الورقة. وبعدها بأيام وصلني منها تساءول بالبريد الإلكتروني عن معاييرنا في التقييم، حيث ذكرت في ثنايا بريدها أن التحكيم لمجلات رائدة في المجال يختلف عن التحكيم لمجلات أخرى (ويبدو أنها تقصد هنا مجلة الكلية)!!

فقمت بالرد عليها بأننا في مجلة جامعة الملك سعود، نتبع أعلى المعايير الأكاديمية عند تقييم الأوراق المرسلة للمجلة، وخلال السنوات الماضية قفزت المجلة قفزات متقدمة في تصنيف المجلة ضمن المنافذ المعروفة فالمجلة الآن مفهرسة في ESCI (Emerging Sources Citation Index) و Scopus وأيضا أصبحت عضو في  COPE (Committee on Publication Ethics)، كدليل على الصرامة العلمية التي تنتهجها المجلة!

بالمناسبة الزميلة حديثة تخرج من الدكتوراه، ولكن أليس من الأجدر قيامها بالتقييم بناء على المعايير العلمية والأكاديمية المتعارف بها في المجال بدلا من السؤال “هل لديكم معايير بالتفصيل” أو هكذا فهمت!!.

 

عموما أحب أن أختم حديثي بأبيات شعر للشافعي رحمه الله:

كلـما أدبني الدهـر      أراني نقص عقلي

وإذا ما أزددت علما     زادني علما بجهلي 

همسة: احذر من الغرور المعرفي والتقدير المبالغ فيه للذات!

شارك بحثك لتحيا!

خلال قراءتي لتقرير بعنوان (Open by default) من منظمة (jisc) البريطانية المتخصصة بتوفير الحلول الرقمية للبحث العلمي والتعليم في بريطانيا، استرعاني تركيز التقرير على أن الأساس في أي بحث أو تدريس هو مشاركة نواتج هذه الأعمال وجعلها مفتوحة (Open)، والانفتاح في البحث العلمي أو حتى التدريس يكون من خلال عدة طرق منها:

  • الوصول المفتوح للأوراق العلمية (Open access)
  • البيانات المفتوحة (Open data) سواء كانت الجداول والصور في الورقة البحثية أو البيانات الخام المستخدمة في الورقة.
  • البرمجيات المفتوحة (Open source) وهذا نراه في مخازن الأكواد البرمجية مثل GitHUB
  • المصادر التعليمية المفتوحة (open educational resources)
  • العلم المفتوح (Open science) وهو القيام بنشر كل ما يتعلق ببحث ما منذ نشأة الفكرة وحتى الاجراءات العلمية والتجارب المخبرية وكتابة المقترح.

والطرق السابق ذكرها تتطلب نوع من حفظ الحقوق حتى لا تستغل سلبيا، وهذا ما جعل ترخيص مثل Creative Commons يلاقي قبولا في الأوساط البحثية والتعليمية.

عموما التقرير طويل نوعا ما ولكن المعلومات المذكورة فيه ثرية وجديرة بالقراءة فقد استعرضت خدمات ومواقع عديدة تساعد في انفتاح البحث العلمي والتعليم، خصوصا فيما يتعلق بتركيزه على فوائد الانفتاح والتي يمتد أثره ليس فقط على مستوى الفرد بل على مستوى المؤسسات الأكاديمية.

ختاماً، تذكر أن البحث العلمي لا يستقيم مساره دون نشر نتائجه  وأن أي بحث غير منشور  فإن اسهامه العلمي سيساوي صفر، وبدون هذا النشر  لا يمكن أن يكون هناك تقدم علمي يستفيد منه المجتمع، لذلك “شارك بحثك لتحيا“.

البحث العلمي لطلبة البكالوريوس ومن في حكمهم (فوائد وعوائق من تجربة)

خلال قرائتي لتدوينة في مدونة منظمة ACM بعنوان (The Benefits of Working on Research As An Undergraduate Student) (بالمناسبة التدوينة قديمة نوعا ما فهي من عام 2014م).

ذكرت التدوينة ثلاثة أهم فوائد لانخراط طالب(ة) البكالوريوس في البحث العلمي وتتمثل في التالي:

  1. تساعدك في اختراع مستقبلك.
  2. تحسن مهاراتك التقنية.
  3. تزيد حظوظك في تقدمك المهني.

ولكن قد يقول البعض أن هذه الفوائد تنفع فقط للطلاب في الدول الاجنبية لوجود فرص مختلفة لهم بعد التخرج، في المقابل تقل أهميتها هنا خاصة في بعض البلدان العربية. فما الفائدة من العمل في البحث العلمي قبل التخرج؟

حسناً!! بعيداً عن نقل تجارب أجنبية، سأذكر لكم تجربتي في مجال البحث العلمي مع طالباتي وأيضا من خلال برنامج (الباحثات الواعدات) والتي تطرحه مجموعتنا البحثية سنوياً.

فمن نافلة القول، أستطيع الحكم على تجربة البحث العلمي مع طالبات البكالوريوس بالنجاح (ولله الحمد والمنة)، فقد استطاع برنامج الباحثات الواعدات خلال السنوات الثلاث الماضية من جذب عدد تجاوز الخمسين ما بين خريجة حديثة وطالبة بكالوريوس للتقدم للبرنامج، بعدها تم فرز المتقدمات بعناية بناء على السيرة الذاتية والنشاطات السابقة والمقابلة الشخصية، مما أبقى لدينا ما بين باحثة إلى ثلاث كحد أقصى في البرنامج الواحد.

ففي هذا البرنامج تتعلم الطالبة مهارات عدة -في بيئة واقعية- منها: تعلم لغات برمجية جديدة وتجربة بيئات تطوير مختلفة وممارسة منهجية البحث العلمي والتحليل والكتابة  والمشاركة في المؤتمرات، كل ذلك في بيئة مغايرة للجو الأكاديمي المعتاد والذي لم يكن متوفرا خلال الدراسة الجامعية، فتخرج الطالبة من البرنامج وقد أصبحت خبيرة بلغة أو أكثر وأحيانا لديها نشر علمي أو تطبيق يتم استخدامه.

لكن في المقابل، يعتري هذا البرنامج بعض المنغصات التي تؤثر في استمرارية الطالبة فيه منها:

  1. عدم جدية الطالبة وتحملها وحماسها ومبادرتها بدفع عجلة البحث، فالمبادرة أساس النجاح.
  2. حصول الطالبة على وظيفة أو المرور بظرف اجتماعي أو انشغالها بالدراسة مما يعيق مواصلتها للبرنامج.
  3. قصور في التواصل الفعال والدوري مع المشرفة على البحث (بالعامية “تسحب عليك”) (ما يحيلنا لنقطة رقم 1).

وعلى الرغم من وجود مثل هذه المنغصات “الطبيعية في نظري” إلا أنها أعطتني الخبرة والجلد وطول النفس للتأقلم معها وتجاوزها، ففي الأخير التدريب على البحث العلمي ما هو إلا أحد الطرق التي نسلكها لخدمة بناتنا ونقل خبراتنا لهن، والمحظوظة من تسنح لها الفرصة بالاستفادة من هذه التجربة!! فالخبرة تشترى!

ونصيحة قبل الختام، على قدر ما تقدمين (أو لنقل تستثمرين) في البحث العلمي سيعطيك في المقابل فوائد جمة لا يمكن حصرها عاجلاً أو آجلاً، فهناك طالبات استفدن من البحث العلمي ليس فقط من ناحية زيادة في معارفهن العلمية والتقنية وكسب الخبرة (في الأسفل عرض لمرئيات أحد المنخرطات بالبرنامج) ولكن أيضا من ناحية فتح فرص وظيفية لهن سواء كان في القطاع البحثي أو الخاص، فشبكة معارفنا وتوصياتنا تلعب دور في ذلك.

ختاماً، حينما أتوسم بطالبة الرغبة والحماس في البحث العلمي (أي تري في نفسها خيرا) وتتقدم بطلب العمل في بحث علمي ما يتقاطع مع مجالات اهتمامي فإنني أبذل كل ما لدي للنهوض بها وإرشادها والشد على يدها وتشجيعها لتشق هذا العالم الممتع! فمثل هذه النماذج من الطالبات الحريصات على خوض مجال البحث العلمي هو استثمار ناجح لبناء الجيل القادم من كفاءات الوطن!


نموذج لمرئيات أحد الملتحقات في البرنامج